التماس بين القصة والرواية عند السيد نجم

0
د. مصطفى الضبع
أكاديمي وناقد مصري

تجربة القاص هي جذوة النار التي يتعامل معها وبها القاص والروائي في كتابة أعماله الإبداعية. ويبقى دومًا التماس الشفيف والخفي بين القصة والرواية التي يكتبها الكاتب من خلال تلك التجربة الحياتية التي سرعان ما تصبح تجربة فنية.

صدى تلك التجربة جليٌّ في أعمال القاص والروائي السيد نجم. وهو ما برز من القراءة المتأنية لقصص المجموعة المسماة “عودة العجوز إلى البحر”.

لقد صدر للأديب من قبلها أربع مجموعات قصصية: “السفر”، “أوراق مقاتل قديم”، “المصيدة”، “لحظات في زمن التيه”. تتناول المجموعات إلا “أوراق مقاتل قديم” التجارب الحياتية، أما المجموعة المستثناة فهي تتناول تجربة المشاركة في معارك أكتوبر 1973م.

كما صدر له ثلاث روايات: “أيام يوسف المنسي”، “السمان يهاجر شرقًا”، “العتبات الضيقة”. وقد تناول في الأولى والثالثة تجاربه الحياتية، أما الثانية فهي حول تجربة أكتوبر 73 أيضًا.

واضح منذ البداية الهم الذي يلح على الكاتب: التجارب الحياتية، ثم تجربة الحرب. فما كانت المجموعة الخامسة إلا وقد قسمها إلى قسمين، القسم الأول للتجارب الحياتية والقسم الثاني عن تجربة الحرب وإن كان من منظور آخر، حيث سجل أنه كتب تلك القصص بمناسبة مرور 25 سنة على أحداث حرب أكتوبر.

صدرت مجموعة “عودة العجوز إلى البحر” عن دار الوفاء للنشر، وتضم أكثر من عشرين قصة قصيرة (على صغر حجم الكتاب مما يشير إلى صغر حجم أو شكل القصة الذي يكتبها)، وهى مقسمة إلى مجموعتين أو قسمين.

ترى ما هي حدود التماس بين القصص القصيرة والروايات التي أنتجها السيد نجم خلال حوالي عشرين سنة في إنتاج الأدب؟

أولا: تبرز قضية “الصراع” سواء في القصة أو الرواية، خصوصًا صراع الإنسان أو الذات مع الآخر أو الجماعة. وضح هذا في شخصية “يوسف المنسي” و”عرفة السابح” في روايتي “أيام يوسف المنسي” و”العتبات الضيقة”. ففي الأولى صراع الذات من أجل البقاء والبحث عن حياة كريمة، وفي الثانية صراع الذات من أجل التحقق.

ثانيًا: التعبير عن عالم المدينة.. تقع أحداث أعمال الكاتب غالبًا في المدينة، سواء في القصة أو الرواية. فالأماكن المختارة عنده “مساكن الإيواء” في رواية “أيام يوسف المنسي”، و”نصف البلد مع الأحياء الطرفية في المدينة “العتبات الضيقة”.

كما اختار لقصصه القصيرة: المسرح أو على الأدق تحت خشبة المسرح، الكوبري، النافذة، الشقق المغلقة.. إلخ.

إلا أن آليات الكاتب يستخدمها ببراعة، سواء في رسم المكان فيحوله إلى رمز وكاشف إضافي لأحداث القصة، وليصبح للمكان دلالاته الرمزية والنفسية. لننظر إلى “محبس” أو مقام يوسف المنسي حيث يتابع العالم من خلال ثقب في الحائل الخشبي، وكذلك “النافذة” في قصة “العجوز والنافذة”.. وكأن العالم لا يرى إلا من ثقب إبرة كما يقولون أو من نافذة ضيقة مصكوكة بالحواجز الحديدية وهكذا الإنسان في العالم أيضًا.

ثالثًا: الحركة في إطار مسرحي.. وهكذا وضعية الإنسان في قصص السيد نجم. يكاد القارئ يرى نصوصا تكيف نفسها بشكل مسرحي كامل أو تكاد. ففي قصة “كل شيء على ما يرام” تدور في مسرح أو كأننا في مسرح الحياة. فالملقن العجوز يرفضه المخرج الشاب بل ويرفض فكرة الملقن في الأعمال المسرحية أصلا.. كما يرفض صاحب البوفيه (أو الكافيتريا) تشغيل السيدة العجوز بعد كل تلك السنين التي تعملها معه بحجة أنها كبرت ولم تعد تصلح لجذب الزبائن. يلتقيان أسفل خشبة المسرح أثناء عرض المسرحية المسماة “الجريمة الكبرى” والتي تدور أحداثها حول غرق سفينة في وسط البحر.

وإن كانت فكرة القصة والمسرحية الضمنية المعروضة تتناول فكرة توزيع الأدوار، فان الحوار قام بدوره مكملا المعنى.. كما في الجملة التي رددها الجميع في آخر العرض المسرحي:

“إن الجريمة الكبرى لا يمكن أن ترتكب، إلا بواسطة مجموعة من الناس. ولأنها جماعة فلا يشعرون بالمسئولية، وتقع الجريمة بسهولة”.

رابعًا: “الحوار” في أعمال السيد نجم يتجلى على شكلين. الأول الحوار المباشر، وهو قصير ومباشر وذكى مضيفا لأبعاد الشخصية والأحداث على قلته. والثاني يمكن أن نسميه بالحوار الصامت.. ذلك الصمت الإيجابي الذي يوظفه الكاتب لإضافة البعد النفسي للعمل، ولإبراز المونولوج الداخلي المنتشر بين طيات الأعمال الإبداعية له، وهو ينجزه بنجاح.

وضح ذلك في قصة “طرح ما” الذي استقبل فيها الجندي العائد من الحرب (من الأسر) زوجته، وكيف أن المونولوج الداخلي كان بديلا عن كل سرد مضاف أو حوار غير إيجابي. وهو نفسه التكنيك الذي مارسه في الرواية، ووضح مع “عرفة السابح” و”يوسف المنسي”.

خامسًا: طرح الكاتب فكرة “المقاومة” على عدة أشكال.. في القصة القصيرة، كانت مجموعة “أوراق مقاتل قديم” و”القسم الثاني من مجموعة “عودة العجوز إلى البحر”.. تلك الأخيرة التي عبرت عن تجارب خبرتها الأيام بتجارب جديدة عن “الحرب”.

وهناك المقاومة الحياتية أو اليومية التي يمارسها الإنسان العادي من خلال تعاملاته في العمل وربما الشارع أيضًا.

وكأن القاص يريد أن يقول لنا رسالته: أن الأمر سيان سواء في ميدان الحروب أو حتى في الحياة المدنية.

سادسًا: سمة “الثنائيات”.. أي توظيف شخصيتان معا في تقابل أو صراع، ويكمل كل منهما الآخر! ففي كل شيء على ما يرام “الملقن والعجوز”، وفى قصص ذكرى مرور 25 سنة على حرب أكتوبر، كان الجندي العائد مع الحبيبة أو الزوجة، وهناك البحار وقرينه في قصة “عودة العجوز إلى البحر”.. وغيرها.

سابعًا: الاحتفاء بالحاضر بلا تحرر من أسر الماضي أو لنقل أسرار الماضي. فهو يعيد الاحتفال بأكتوبر على غير الصيغة الشائعة التي قد يقرؤها القارئ في الصحف والمجلات. وكذلك شخصيات قصصه القصيرة في المجموعة الأخيرة. ففي قصة “أكلة سمك” مقابلة بين الزوج والزوجة.. بينما كل منهما متعلقا بمشاكله الحياتية الاستهلاكية اليومية.. ولا تتحقق الوجبة الشهية المرجوة.

ثامنًا: وهناك عالم المدركات السمعية والبصرية بل والحسية. وهو ما يتجلى في رواياته وقصصه القصيرة.. الروائح زاعقة ومتعددة كما في قصة “أكلة سمك” و”العجوز والنافذة” و”دفء”. أما البصرية فقد تجلت بوضوح أكثر في قصة “فلما صعد الرجل الكوبري” وفيها يعتلى الرجل الكوبري وبالبصر والبصيرة تدور أحداث القصة ويدور شريط الأيام الماضية كلها، وهو الموظف الملتزم وقد قرر اليوم تحديدا التمرد! وفى تلك القصة تجديدًا كان العنوان موفقا، بحيث أصبح العنوان المبتدأ والنص هو الخبر كما يقول.

تاسعًا: ولع الكاتب بالأماكن الداخلية أكثر من الخارجية، حتى تلك الأعمال التي تناولت تجربة الحرب، كان “الخندق”، “السلاحليك” وغيرها أماكنه المفضلة للتعبير عن أحوال الجنود وأحداث الحرب. وفى قصة “حكايات النمل” كان السجن أو الزنزانة مقامًا للبطل المنتظر حكم الإعدام وكانت حكايات النمل معه من خلال علاقة فريدة مع السجان المفترى والذي سرعان ما تأقلم وتحسن كي يسمع حكايات النمل الكاذبة التي يقصها السجين.

عاشرًا: التنوع الأسلوبي والتخلص من الراوي.. والقاص في ذلك ترك بصمة لافته في تقنيات الجذب دون استخدام تقنية الراوي العالم بخبايا الأمور. فالشخصيات المهمشة التي يتعامل معها في قصصه تنمو وتبرز من خلال حركة داخلية نفسية، ومن خلال المونولوج الداخلي.

وأخيرًا هل يمكن أن نشير في عجالة إلى استراتيجية “الماء” الواضحة في قصصه ورواياته. ففي مجموعة عودة العجوز إلى البحر نجد: البحر في قصة “عودة العجوز”، والمطر في قصة “أغنية للمطر” و”العجوز والنافذة” و”النهر” في قصة “شجرة الموز الهرمة” بل وتوظيف “البول” في “حكايات النمل” ثم نافورة الماء في قصة “ضجيج القمر”، وها هي مياه الصنبور في قصة “الثوب”؟ وهو ما يلزم معه وقفة متأنية أخرى.

تلك ملامح التماس بين مجموعة السيد نجم الأخيرة “عودة العجوز إلى البحر” وبقية أعماله القصصية والروائية في عجالة، تستحق التوقف في فرصة أخرى.

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا