بقايا حلم (قصة قصيرة)

0
دنا أديب
كاتبة أردنية

أحيانًا أسمع صوت جدتي وهي تروي بشيء من التباهي كم كانت قوية وهي صغيرة، حتى إن جدتها كوثر كانت دائمًا تقول: “أنا لا أستطيع الاعتماد في هذا المنزل إلا على فريدة”.

جدتي القوية رأيتها طفلة صغيرة وأنا أودعها، تركض نحو نافورة الماء، أصابعها الصغيرة تلامس الماء البارد، ورائحة الفل تعطّر الحديقة، وريشة امرأة جميلة تطير خلفها، تحاول لمس شعرها.

أخبرتني جدتي ذات ليلة عن قصة مرضها وهي صغيرة عندما عانت من الحمى، وكان ألمها ليس من السهل تحمّله من قبل طفلة صغيرة. كانت تقول: “كان عمري سبع سنوات فقط، ومع ذلك لم أتذمر أبدًا، على العكس كانت جدتي كوثر تأتي إلى غرفتي ومعها خالتي زينب وتنظر إلي وهي تبتسم، وتقول: “انظري يا زينب إنها تجلس في السرير مثل صبية كبيرة”.

سكتت جدتي وكأنها في حلم، نظرتُ أليها وتمنيت أن تكمل القصة، لمست يدها فعادت وأكملت قصتها: “كنت أرى أمي تقف خلف جدتي كوثر وفي عينيها قلق، فهي لا تقوى على تحمل أن يحدث شيء لأطفالها، خصوصًا أن الطبيب فيليب حذرها وقال لها إنه يجب مراقبة الحمى التي أصابتني حتى تزول وأستعيد صحتي”.

نزلت من القطار وأنا أحاول أن أبحث عن أمي بين الجموع. جررت حقيبتي خلفي فهي صغيرة لا تحتوي على الكثير من الأغراض، أخذت أبحث بين الوجوه الشاحبة، الناس متعبة في هذه المدينة، يجرون خلفهم همومهم وربما أحزانًا لم تُرَ لها نهاية. وجاء وجه أمي من بين الجموع، تلك المرأة القوية الضعيفة. أحيانًا وجهها يكون وجه زنوبيا، وأحيانًا آنا كارنينا، لا أعلم اليوم من سأرى في وجهها، ربما ليدي مكبث. اقتربت أمي مني وأصبح وجهها أكثر وضوحًا، أحسست أنها ما زالت تبحث عني، فعيناها هائمتان، لا تنظران إلي مباشرة، وبدا أنفها كبيرًا، لم أذكر أني رأيت أنفها بهذا الحجم من قبل. كانت ترتدي وشاحًا أحمر، واستغربت أنها ترتدي هذا اللون بالذات. توجهتُ نحوها ولكنها لم تعانقني كعادتها. اعتدت على هذا اللقاء الرسمي الحميمي بنفس الوقت، وأمي كعادتها تنظر إليّ وترسل عناقها من دون أن تعانق. قالت لي “كيف كانت الجامعة”، أجبتها “لا بأس ولكن الامتحانات كانت صعبة”.

سرنا معًا على رصيف المحطة نحو سيارات الأجرة، يبدو أن هذا الوشاح الذي ترتديه أمي جديد، أظن أني لم أره من قبل، ولكنه يذكّرني بشيء ما، أو ربما رأيته من قبل أو حلمت به، لا أعلم. أخذت أتابع شوارع المدينة من نافذة سيارة الأجرة، أصبحت المدينة مكتظة، وجوه جديدة، وجوه شابة، ووجوه نسيها الزمن. وفي كل مرة أزور أمي أرى كم أن هذه المدينة ترغب بالصراخ، بالبكاء، دموعها تنهمر، وجهها ملطخ بألوان صاخبة، بل مشوه، هذه ليست ألوان، هذه عذابات، صراعات، بل حزن. تُرى كيف ستبدو مدينتي لو ارتدت وشاحًا أحمر.

جلسنا على مائدة الطعام، لقد أعدت أمي الباذنجان، فهي تعلم أنني أحبه. لم نتحدث أثناء تناول الطعام، فأمي لا تحب الكلام كثيرًا، بل تفضل الصمت، وعندما ترغب في الكلام يكون فقط عن مصروف المنزل والفواتير. نظرتُ إلى ضوء المطبخ، بدا وكأن النور يأتي من مكان آخر، هذا الضوء يبدو خافتًا فوجه أمي يبدو غير واضح. ولكن غريب، أنا أرى الطعام أمامي بشكل واضح تمامًا، صحن الباذنجان والخبز على جانب الصحن، وإبريق الماء البارد على الجهة الأخرى. أظن أن أمي ما زالت تحب استعمال إضاءة خافتة في المنزل، يبدو أن هذه الإضاءة تحجب أشياء وتُبقي أشياء، سأخبرها ذات يوم أن تغيّر الإضاءة. انتهيت من تناول العشاء، وحتى الآن لم تقم أمي بتقبيلي أو حتى لمسي، كم تمنيت أن تضع يدها على كفي ونحن نجلس على مائدة العشاء لترى كم هي باردة يدي.

قالت جدتي لي ذات يوم: “إن والدتها كانت تحب أن تعانقها كثيرًا”. روت جدتي لي تلك القصة مرارًا عن الحفلة التي تم الإعداد لها في منزلها وهي صغير، وأخذت تشرح تفاصيل الإعداد للحفلة وهي تبتسم أحيانًا، وتشعر بأنها تود البكاء أحيانًا أخرى، قالت جدتي: “لقد بقيت وحدي في الغرفة أسمع أصوات إعداد الطعام وتنظيف المنزل استعدادًا للحفلة، كان هناك ضيوفٌ كثيرون في تلك الليلة، وكان يجب أن تُعدّ والدتي العشاء مع خالتي زينب وبنات خالتي هدية وصباح. نظرت جدتي إلى الحائط كأنها تبحث عن نافورة الماء التي كانت تلعب حولها وهي صغيرة، لون الحائط يميل إلى الأزرق تتخلله ضربات ريشة دهان أبيض، أول مرة ألاحظ هذا الحائط، بالرغم من أنني دائمًا أجلس أمام هذا الحائط. بقيت أنظر إلى الحائط وأنتظر جدتي أن تكمل، أحسست أنها تود الذهاب للحظةٍ إلى ذلك المكان وتلك الحفلة. سألت سليم ذات يوم هل يمكن لنا أن نعود، وإن عدنا، هل نحن نفس الأشخاص، نفس الوجوه، نفس الفرح، نفس الحزن، لا زلت أذكر كيف ضحك وقال لي أنت غريبة. عادت جدتي من رحلتها وأكملت رواية قصة الحفلة وعيناها تظهران حزنًا. أحسست أنني سأبكي تلك الليلة لكنني سمعت جدتي كوثر تقول لأمي دعيها إنها كبيرة وقوية لنذهب ونهتم بالضيوف، بعد هذا الكلام كيف أبكي إذًا. صمتت جدتي قليلًا ثم نظرت إليّ وقالت: “هل تعلمين، أنا أعرف أن أمي كانت دائمًا تخاف أن تتركني وحدي عندما أكون ضعيفة وبحاجة إليها، كانت تعانقني وتقول أنت الآن كبيرة مثلما قالت الجدة كوثرة”.

غسلت أمي صحون العشاء، وسألتني إذا ما كنت أرغب في تناول القهوة، هززت رأسي بالإيجاب. جلست في غرفة الجلوس ونظرة إلى صورنا على الحائط، صور قديمة بألوان تارة باهة وتارة صاخبة، رأيت صورًا لنا حين كنا صغارًا، هناك صورة لأمي مع أخي ورأيتها في تلك الصورة ترتدي وشاحًا أحمر، وهناك صورة لي وحدي، ولكن وجهي يبدو غير واضح، بل ملطخًا بشيء ما، يبدو أن المصور لم يظهر الصورة بشكل واضح، وهناك صورة معلقة على زاوية الحائط تبدو فيها جدتي وهي تقف أمام لوحة يبدو أنها لفنان مغمور قام بتقليد لوحة بيكاسو “المرأة الباكية”، ويبدو أن هذا الفنان أراد التفوق على بيكاسو فبدت المرأة في اللوحة أكثر حزنًا ومعاناة من امرأة بيكاسو. نظرت إلى الصورة، هي جدتي فعلاً، ولكن لوحة المرأة التي خلفها تشبه أحدًا أعرفه، أحدًا ربما كان يبكي علي في مكان ما، في زاوية ما، في زمان ما. جاءت أمي بالقهوة وسألتني “كم ستمكثين هذه المرة؟”. أجبت: “شهر واحد”. تنهدت ثم قالت: “أتعلمين لم يعد لدينا المال الكافي لشراء الوقود في الشتاء، لا أعلم من أين سنحصل على المال”. أخذتُ أشرب القهوة، أحسست أن طعمها مختلف عما أذكر، كأن هناك نكهة مختلفة، لا أعلم ما هي. قالت أمي: “إن الوضع لا يحتمل، قلت لأبيك إن عليه أن يترك مبلغًا من المال، ولكنه لم يكن يسمع ما أقول له، لقد أضاع كل ماله على هؤلاء المغفلين”. هل من الممكن أن يكون هذا طعم الهيل أو أن القهوة بحاجة إلى أن تُحمص لفترة أطول، أنا متأكدة أن طعم القهوة كان مختلفًا. كم أحب فنجان القهوة الساخن ورائحة الهيل، لكن هذه القهوة مختلفة. تُرى من أين اشترتها أمي. نظرت أمي نحوي وقالت: “عليكِ أن تجدي عملًا بسرعة، يجب أن ندفع لصاحب المنزل، هو لن يسكت علينا”. نسيت أن أخبر أمي أن دكتوري في الجامعة قال لي إنني أملك موهبة، ويجب أن أستمر في كتابة الشعر، فكتاباتي وشعري جميل ومبدع. لكنني لم أرَ وجه أمي، هذا الضوء خافت، والنور يبدو أنه يأتي من مكان آخر. حتى صورنا التي على الحائط لم تعد واضحة. فجأة أحسست بصوت أمي من خلف الضوء الخافت يقول لي: “لقد تعطل الموقد الأسبوع الماضي، لم يعد يشتعل مثل قبل، النار انطفأت فجأة وقلت لأخيك أن يحاول أن يصلحه، الحمد لله أنه تمكن من إصلاحه، وإلا من أين لنا بالمال لشراء موقد جديد”.

جدتي دائمًا تتذكر تلك الليلة والحفلة الكبيرة التي أعدّت لها جدتها كوثر وأصوات النساء وغناء المغنية سهيلة. أحسست بدموع جدتي، النساء في أسرتي إما يلجئن إلى البكاء أو ينعزلن في الصمت. نظرت إليها، أعلم أنها ترغب في الحديث عن تلك الحفلة، وانتظرت حتى تعود من هناك وتخبرني ماذا حصل. قالت جدتي: “جاءت أمي لتطمئن عليّ دون أن تخبر جدتي كوثر، شممت رائحة العطر الفرنسي الذي تضعه أمي وهي تعانقني، كانت ترتدي فستانًا أخضر وتضع عقد اللؤلؤ الذي أهداه لها والدي. بعد أن اطمأنت أمي علي، تركتني وأغلقت باب غرفة النوم خلفها. جلست أتلمس رائحة عطرها وودت أن أقول لها: “ابقَيْ قليلًا معي، أريد أن ألمس عقد اللؤلؤ”. جلست على السرير أسمع أصوات الضيوف من خلف الباب، وأشم رائحة الطعام الشهي، من المؤكد أن أمي أعدت الأرز واللحم المحشو بالمكسرات، فهي تجيد هذا الطبق. لقد نصح الطبيب فيليب أمي ألا تُطعمني سوى حساء مرق الدجاج، وحذر من أن أتناول الفاكهة أو الحلويات. كنت أتساءل ماذا أحضر عمي من حلويات للحفلة، ربما الحلوى المغطاة بالسكر، كنت أحبها كثيرًا، إن الفرنسيين ماهرون جدًّا في صناعة الحلويات، وكانت جدتي كوثر دائمًا تحب أن تضع الحلويات على جانب المائدة الرئيسية بعيدًا عن أيدي الأطفال. وما زلت أذكر الشوكولاتة المحشوة باللوز والتي تغلفها ورقة ذهبية وعليها صورة مركبة شراعية وبجانبها سيدة فرنسية جميلة ترتدي قبعة عليها ريشة حمراء وتضع الحمرة على شفتيها بلون أحمر مثل الريشة التي على قبعتها”.

أحيانًا أحاول أن أتخيل تلك المرأة ذات القبعة والريشة الحمراء وهي تنظر إلى وجهها بالمرآة، أتخيلها امرأة حقيقية، ماذا سترى في المرآة، وجه غريب، يضع مساحيق تجميل، يخفي حزنًا بائسًا، يغطي وحدتها، ربما يغطي شقاء يومها أو سنوات غابرة أخذت معها حفلات ونساء وشكولاتة مغلفة بورقة ذهبية وقارب ينتظر على ميناء في شاطئ ما. امرأة باكية، ترتدي قبعة بريشة حمراء، تنتظر طفلة صغيرة تحلم بأن تلمس قطعة الشوكولاتة وأن تجلس بجانب والدتها بعطرها الفرنسي، تستمع إلى غناء سهيلة وتتناول قطعة الشوكولاتة.

أخيرًا قررت أن أسأل أمي فأنا متأكدة من أن طعم القهوة قد تغيّر. “طعم القهوة ليس كما أذكره من أين هذه القهوة؟” نظرت أمي إليّ باستغراب وقالت: “إنها نفس القهوة”.

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا