حياة (قصة قصيرة)

0

أدارت “حياة” المفتاح في الباب مرتين، مثقلة بالتعب، يراود عقلها سبات، تتوق نفسها للراحة، بعد عمل شاق ليومين متتابعين في مستشفى تعمل به كممرضة، ودب في قلبها دبيب اشتياق إلى أن تلقى بجسدها في سريرها الدافئ.

ما إن دلفت من باب شقتها حتى تبخر هذا كله تحت وابل من بكاء وهلع وصرخات مدوية، جرى زوجها كسليم لدغه عقرب، يلملم طفلتيه الصغيرتين بين جناحيه وتوارى بهما في غرفة، وحينئذ سُمع صفق الباب بشدة وصرير المزلاج يغلق بقوة إمعانًا في الغلق، وازدادت حدة صرخات البنات شيئًا فشيئًا، وهي مصعوقة تمامًا، تجمد الدم في عروقها لا تستطيع حراكًا، أخذت نفسًا عميقًا لتملأ صدرها برباطة الجأش، وأغمضت عينيها لبرهة، ثم اتجهت صوب زوجها وبناتها وأراحت رأسها على الباب الذي يختبئون خلفه متسائلة يغمرها العجب:

“ماذا دهاكم؟”.

“لماذا لم تُخبرينا بحقيقتك؟” قال زوجها.

“أي حقيقة تعني؟”

“لم يطلب منك أحد أن تخافي عليّ، ولكن ألا تشفقين على صغيرتيك هاتين؟”

لم تفهم وجاء في رأسها تلك الروايات القديمة التي تحكي أن إحداهن تعمل في بيت للبغاء أو مرقص وتخبر الكل بأنها ممرضة، ولكنها حقًا ممرضة وزوجها يعرف، وكذا سكان الشارع من صغيرهم لكبيرهم، فهم مدينون لها بخدماتها الطبية. فعن أي حقيقة يسأل؟!

نادت بتوسل إحدى ابنتيها باسمها مستدرجة إياها حتى جعلتها تبوح، قالت الفتاة:

خالتي “أم مايسة” أخبرتنا أنك أسررتها يومًا أنك تحملين مرض (الإيدز) ولكنها أفشت سرك خوفًا علينا.

غمغمت “حياة” بعد أن قوست حاجبيها:

أنا.. إيدز.. “أم مايسة”!!!

كانت في ذهول شديد، سمعت قلبها ينبض بقوة وكأنه سجين يريد فرارًا من بين ضلوعها، وظلت هنيهات مشوشة الذهن تمامًا، وتراجعت للخلف قليلًا كمن تلقى ضربة على رأسه، إلا أنها تذكرت يوم جاءت من عملها متأخرة وصعدت درجات السلم حين سمعت صوتًا ما أو نبشًا لحيوان ما، فقفلت راجعة لطرده حتى لا يُفزع أطفال المنزل صباحًا وهم ذاهبون الى المدرسة، ما إن وصلت حيث مصدر الصوت شهقت مصدومة عندما وجدت (مايسة) بنت أختها في أحضان محمود الكهربائي ملتحفين ببعضهما البعض كنبات تداخلت فروعه العارية لا يكاد يمر بين جسميهما خيط؛ فساد صمت كصمت شواهد القبور المحطمة، لم يكسره إلا تهديدات أطلقتها(حياة) صوب (مايسة) بأنها ستخبر أمها.

أم مايسة لم تكترث كثيرا بإخبار أختها(حياة) لها عما رأت في بئر السلم بل أشاحت وجهها عنها غير عابئة بقولها وبدت عابسة متأففة، فخرجت(حياة )تجر أذيال الحيرة، وتؤنب نفسها وتتمتم” أكان من الصواب ألا أتكلم؟! وأنا الذى رأيت في عرض ابنتها عرضي!

أفاقت على نشيج الطفلتين المذعورتين وأيقنت أن أختها(أم مايسة) بإلقائها في نار ذلك الإفك البين أرادت أن ترد لها الصاع صاعين، ولكن أي صاع وانا لم أحدث بما رأيت أحدا سواها!

 فاستجمعت قوتها ولملمت شتات نفسها وبصعوبة بالغة ترنحت كمخمور أسكرته هول الصدمة نزولا على درجات السلم يطوف بذهنها سؤالا: كيف لأختها بنت أمها وأبيها أن تفعل؟! ولكنها سمعت صوت يخرج من نفسها مجيبا: ألم يبوء قابيل بإثم أخيه حين قتله، والحقد أعمى اخوة يوسف فغيبوه واحدا في ظلمة بئر يتربص به الموت. حينئذ وصلت الى شقة أختها وهوت على بابها الأسود لطخته قلوب أصحابه بكلتا يديها فلما تسمع من خلف الباب إلا سبابا بأقذع الالفاظ، واخترقت أذنها تحذيرات كطلقة مدفع من مايسة وأمها:

 “ابتعدي أيتها المريضة البائسة”.

فلما آيست منهما هوت نزولا كمجنونه لتستغيث بأحد الجيران في الشارع؛ ما إن راءها الناس حتى فروا من أمامهم فرارهم من كلب عقور أجرب، فمنهم توارى خلف جدران بيته، ومنهم من أوصد باب حانوته على نفسه، كانوا مذعورين مرتعدين وبات الشارع خاليا تماما إلا منها ترتدى قميص الفرية، فصرخت صرخة خرساء مدوية، وادلهمت فوق رأسها سموات رماديه شديدة القاتمة، وضاقت عليها الارض بما رحبت وضاقت عليها حتى نفسها التي بين جنبيها، فلمحت بطرف عينها من خلفها دوامة من عاصفة يأسها تقترب منها شيئا فشيئا؛ تأخذ كل ذكرى جميلة من ذكريات حياتها تمزق جلدها وتطحن عظامها فلما انتبهت ل (حياة) هي الأخرى اتجهت صوبها فهرولت متخبطة، خائفة لا تدرى الى أين تذهب، حائرة، مشوشة، مسرعة لا تلوى على شيء إلا الهروب حتى وجدت نفسها على حافة الطابق السادس من منزل قيد الإنشاء، فلحقتها عاصفة يأسها تلك ولما كادت أن تطبق عليها بفكيها الغليظتين ألقت بنفسها وأسلمتها للهواء وفى تردّيها نظرت بنظرة جانبيه الى السماء التي أنقشع غمامها القاتم وبدت بيضاء صافية تبتسم سرورا لاستقبالها.

أضحت جثة هامدة ولم يتجاسر أحد على أن يقترب منها، ملأ قلوبهم الفزع وعيونهم محدقة في خوف، استغاثوا بالشرطة التي حملتها للطبيب الشرعي الذى قدّ قميص الفرية وأثبت بعد إجراء الفحوصات الطبية بما لا يدع قطمير ريبه أنها خالية تماما من (الإيدز).

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا