حارة لا تنام (قصة قصيرة)

0

يفترشون أرضها منذ سنوات لا حصر لها، ينتظرون كبير الحرافيش ليوزع عليهم أرغفة متخشبة. ثيابهم من خيش وعبك ودبلان مصبوغة بالنيلة الزرقاء، يقال: إنهم يحيضون مثل نسائهم، بطونهم منتفخة رغم هذا، ترتع الديدان دون حسيب، هذه صورة لا يمكن أن تنسى، يلوح بعصاه متوعدًا من لا يقبل نبوّته، إنه فتوة كبير غلب بذراعه كل عمالقة المحروسة، شعورهم بالأمن يبدأ حين يتجول في الحارة، إنه فرد واحد لكنهم مائة أو أكثر، تسري فيه الرغبة أن يتسيد عليهم بضعفهم.
امتد طموحه إلى قلعة الجبل، السوط حين يتلاعب في الهواء ينتشي بكل مظاهر البطش، ليته استمر في سعيه ولم يقدم أعوانه قربانًا على خشبة طمعه، كان يحبهم، بكى عليهم كما تفعل تماسيح بحيرة السد.
انتهت ليلة وراء ليلة وهو يتكور على نفسه أفعى صفراء، قالت جدتي يومًا حين نمت في حجرها: إن الأفعى تلتهم صغارها بفكين لا يعرفان الرحمة، تنجو الخائفة حين تلوذ بالجري.
حارتنا تحتاج إلى أن يرتدي الحرافيش ثيابًا تكسو أجسادهم العارية، أرجلهم تبدو مثل أعواد الذرة الهشة، معضلة يصعب ملء بطون الجوعى مع أن ذلك سهل لو تخففوا قليلًا من خنوع جباههم المعفرة. كلما تمرغوا أمام عتبة بيته، انتابته النشوة، أن يجد باب زويلة تتراقص فوقه رءوس مدلاة. منذ سنوات وهو يحلم بالكنبة المرفوعة فوق أسدي قصر النيل، كل الذين جاءوا المحروسة هفت نفوسهم إلى قلعة الجبل، أصوات تئن في قباب أشبه بفرن جعدة، حارتنا مصابة بالخرس لكنها حين ينتابها الداء تتلاسن بمن يقدم الثريد باللحم في ليالي رمضان المباركة.
يتسلل إلى عقولهم، له سحر وحيل وأوراد، الحارة تدوي بها الريح فهي خرابة، رغم هذا يسيل لعابهم لأرغفته، يخصيهم بل يعكر عليهم في فسحة الأسرة الواهنة، حتى النساء ما عدن يرتدين أقمصة حمراء، يأتيهن بعولتهن كل عام مرة أو مرتين ثم هم لا يتوبون من قريب.
تلك التي يشعر فيها العجزة أن لديهم القدرة أن يكونوا مثل الثيران.
انتفخ الفتوة المزين بألف خرقة وخرقة، تتمايل من رقبته تمائم الودع، حتى إنه صعد درج القلعة العالية، وقف قبالة الجبل، أصابته عدوى الملك؛ فالأوهام تصنع للعاجز ألف صورة زائفة، تجمّع الضالون وأخذوا يتماهون في جسد الفتوة، لا يقدرون على شيء مما كسبوا، يكفيهم غارة العدو،غير أنه يسلبهم القدرة، يرى له الشمس، يهبهم ضوء القمر، ومن ثم يرسم لهم ظل النجوم في عز الظهيرة.
حارة تقبع في ذاكرة المقريزي، توارثها بعده الجبرتي فاضت بها سطور تاريخه، لا يدري أحد بما يدور في قلعة الجبل، أصاب السوس أبوابها السبعة، إنها تمور بجنين لما يأت زمنه، حين يضرب الجوع بطون الحرافيش تتبدى لهم من الأوهام صور تمثل كائنات تتحرك، ربما تكون أسماكًا مشوية، أو لعلها المائدة مملوءة بالمن والسلوى، كل هذا يجعل لعاب الحيارى يسيل في متاهة لا يعرفون بابها، تمضى الحكاية يرويها الناي حزينة، تقف عند مفترق الشارع المؤدي إلى باب زويلة ألف عقبة، ينتشي الفتوة كلما تدلت من المقصلة أوردة وشرايين، يتراقص المخمورون في باحتها، جاءوا من بعيد بها معتقة لذة للشاربين، النهر آسن، لا ضير ففي المغنى سلوى، الأجساد انكشفت؛ يكفيهم أن الفتوة ماثل في يومهم، تعددت المنافي في الزمان غربة، عند الشدو يتمايل البلهاء، تضربهم المجاعة فلا يشبعون.

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا