السيد نجم وسرد الموقف الفلسفي.. دراسة في رواية “الروح وما شجاها”

0
د. السعيد الورقي
أكاديمي مصري

“الروح وما شجاها” للكاتب المثقف الدكتور السيد نجم، من الروايات القليلة فى الأدب العربي التى تستند إلى قاعدة فلسفية.

فالسرد يقدم لنا منذ البداية بطلا مسكونا بالقلق والضياع، تحركه حيرة قلقة متسائلة من خلال التأمل الذي يشك فى كل الثوابت التي تقيم وتحرك عالم الأنذال وهم رجال كل يوم الذين يتحركون ببواعث غير حقيقية، ويندفعون لممارسة وهم كل يوم لا تقلقهم سوى تفاهات يومية لا جدوى منها ولا قيمة منها.

الرواية على مستوى الحكى الواقعي تأملات فى الواقع الاجتماعي والسياسي لحياتنا المعاصرة فى نصف القرن الأخير من خلال بطل مغامر غير عادى يشاهد مسجلا أحداث هذه الوقائع وملاحظاته عليها وعلى من حوله من الأنذال الذين لن تستوقفهم هذه الحياة سوى الأشياء العادية اليومية المرتبطة بالعمل وظروفه والحياة ومشاكلها اليومية، والتغير فى الواقع الاجتماعي والسياسي والصراعات اليومية المألوفة فى عالم من الأحداث والشخصيات ذات البني الاجتماعية الذين يأكلون ويشربون ويتحدثون فى أمور عادية ويتصارعون.

فى وسط هذا العالم بعمومه ومشاكله اليومية نبت “يوسف عرفة” ليحول العادي إلى اللاعادى، والمألوف إلى المدهش تأكيدا لمقولة “جن بول سارتر” عن “الغشاشة”.

“يوسف عرفة” كما قدمه السرد، شخصية غريبة فى طبيعة تكوينها، وفى سلوكها اليومي، وفى ردود أفعالها، بل وفى ملامحها الشخصية.. شخصية تحيا حياتها الخارجية والداخلية فى قلق وحيرة وتسائل. لم يهدأ فى لحظة ولم يقنع ولم يؤمن، ففي حياته الخارجية دائم التنقل حتى فى علاقاته النسائية، فقلقه ينتقل به من امرأة لامرأة، ومن حال إلى حال، ومن حياة لحياة، ومن موضع لموضع.. وفى كل لحظة يواجهه الموت مستقبلا لكل شيء وكل حي، ومثيرا لكل أسئلة الوجود التي امتلأ بها يوسف عرفة.. لماذا الموت؟ وهو سؤال يستدعى بالضرورة مقابلة الصدى.. ولماذا الحياة؟

وهو نفس التساؤل الوجودي فى مقولتي “الوجود” و”العدم”. فإذا كان الميلاد هو الوجود، فهل الموت هو العدم؟

إذن ما جدوى ما بين الوجود والعدم؟!

طرحت الوجودية الحديثة فكرة حياة الغشاشة، وهم اللاعاديون الذين يرفضون حياة الأنذال، ولم يكن أمامهم إلا أن يقوموا بدور الرائي الذي يطل على الواقع والوجود من مركزية حيادية لا تتفاعل ولا تنفعل ويواجهون العالم ببرودة المشاعر، وهو الدور الذي يقوم به “يوسف عرفة”” فى رواية “الروح وما شجاها”.

فمع أن ما يحكيه السرد من خلال “يوسف” أحداث يومية حياتيه فى المنزل والعمل والشارع، إلا أنها فى سردها وكأنها خارج ذات السارد.. مجرد أحداث ووقائع من التي تحدث كل يوم، لكنك لا ترى فيها “يوسف” مع أنها حديث له وقدمت من خلاله. لم يتعاطف مع أحد ولم يقلق لشيء أو ينزعج أن يرحل أحد أو لا يرحل، لا يهم أن يحدث ما حدث أو لا يحدث، لا يهم!

ففي الحياة الخارجية الواقعية، اكتفى “يوسف” بهذه المشاركة الحيادية التي تبدى عدم المعارضة حتى لا يتسبب فى أذى الآخرين له.

أما فى حياته الداخلية، فالأمر مختلف.. انه عالم مثير حتى فى الفوضى والعبثية المسيطرين عليه، كأن يريد من خلاله كسر حدة الرتابة والعادة والمألوف.

“الروح وما شجاها” رواية “السيد نجم”، هي رواية التساؤلات الحيرى التي بدأت من العنوان المطلق وهو “الروح” وماهيتها والكيفية التي تحل بها وترحل؟

شخصية العجوز “أم سالم” التي لا تتوقف عن الثرثرة واختلاق الأكاذيب لجذب انتباه الحياة والحياء، ماتت فجأة وأصبحت جثة بلا حركة بين يدى “يوسف”.. وزميل “يوسف” فى الخندق فى فترة تجنيده اختفى أيضا فجأة.. وزوج “سعاد” مغامرة يوسف الجنسية الأولى اختفى هو الآخر ولم يعد، و”أم يوسف” وقبلها أبوه وآخرون.. لكل تحتفي منه الحياة باختفاء الروح؟ ما هي الروح.. وكيف تختفي.. والى أين تذهب..؟

هذه هي أسئلة الوجود الكبرى أو هي أشجان الروح المتسائلة، والتي لم يستطع “يوسف” أن يجيب عنها.. وإنما اكتفى بأن أتخذ موقف رد الفعل بطرحه العملي عندما اتخذ موقف “الغشاشة” فى مقابل حياة الأنذال.

“السيد نجم” كما تقول قائمة إصداراته من روايات ومجموعات قصص ودراسات متنوعة فى أدب المقاومة وفى الثقافة الرقمية، يعد كاتب مثقف ومتعدد المجالات الإبداعية، واع بحركة الواقع من حوله وحواراته الثقافية والسياسية، تدفعه روح التأمل إلى الفلسفة أو السعي إلى الفلسفة الحديثة التي شكلت الواقع، كما تدفعه أيضا إلى موقفه الفكري الذي يراه تفسيرا للحياة الكبرى للإنسان.

هذا بدا واضحا فى تلك الرواية “الروح وما شجاها”.. فالرواية خارج إطار الحكى مبحث فلسفي فى الوجود والعدم.. تقف أمام العجز الأكبر للإنسان وتضعه مباشرة فى مواجهته ليقرر بعد طول تأمل أن الإنسان هو الموت، فوجوده يعنى عدمه، لأنه يحمله معه منذ ولادته بم يعنى انتفاء الحرية ولو اختار أن يكون فى صف غشاشة “سارتر”، فلا ما يملكه هو مواجهة عجزه أمام الموت.

اختار السرد لغة أقرب إلى الحيادية، فهي لغة تؤدى وتوصل وتسجل، وقليلا ما تنفعل حتى فى المواقف شديدة التعلق بالذات.

يقول السرد فى مشهد شديد الالتصاق بيوسف:

 “احتل الموتى الملاعين رأسي، أصبحت عاجزا عن الاستفادة من أي شيء، فقدت متعة مجالسة الصبار، وأشيائي قليلة القيمة.. حكايات العملات القديمة، والأزرار، وأوراق الصحف والمجلات القديمة لم تعد تشجعني. أتمنى لو استطيع إلقاءها فى جب النسيان.. لولا المالك الجديد للفندق وأفاعيله الغامضة، لألقيت بما جمعت من صحراء السويس فى القمامة”.. الخ ص34

فمع أن السرد هنا يعتمد على صيغة تيار الوعي، وهى صيغة تؤثر اللغة الشاعرية لتعاملها مع مناطق الوعي الداخلي وهى مناطق شعرية، كما هو معروف إلا أن السرد وهو يحاول التوافق مع الرؤية العامة، كان من الضروري أن يلجأ إلى الرائي الحيادي أو حيادية الرائي الذي لم يكن يعنيه طرح وجهة نظر.. وهو ما أثر على بنية الرواية التي جاءت بلا نهاية، حيث أن النهاية تمثل وجهة نظر.

رواية “الروح وما شجاها” للدكتور السيد نجم فى الواقع رواية ممتعة وذكية على الرغم من حدة الموضوع المتناول، إلا أن الكاتب عالجه بذكاء مثقف جعل للفن القدرة على تناول الموضوعات الشائكة المتصلة بحقائق الوجود.

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا