“الغرانيق”.. رواية عن الديكتاتور في العالم العربي

0
فايز علام
كاتب وصحافي سوري

في بلدٍ صغير وفقير، يحكمه العسكر، وتتوزع ثماثيل الجنرال في كل زاويةٍ منه، يعيش بطل رواية “الغرانيق” للكاتب السوري مازن عرفة، وهو يعرف تماماً ما هي “الصفات الوطنية” التي يجب أن يتمتع بها كي يكون مواطناً نموذجياً في هذا البلد.
“إذا ما انتابتني حالة تستدعي التفكير، وتفرض سلطانها عليّ بقوة، فإنني أحاول قدر المستطاع التخلص منها بسرعة بترداد النشيد الوطني، أو بعض الأغاني الحماسية الثورية في تمجيد الزعيم الجنرال المفدى حتى أنجو من تأثيرها. وبما أنني مواطن نموذجي، فأنا لا أتكلم كثيراً، ولا أرفع رأسي عالياً، ولا أحكّ جبيني وأقطّب حاجبي، كي لا يشك أحد في أنني أفكر. وأحلامي صغيرة، متواضعة جداً”.


ليس البطل وحده على هذه الحال، فكل المواطنين الشرفاء كذلك أيضاً، أكبر طموحاتهم أن يربحوا لعبة الورق في مقهى البلدة، ويعودوا إلى أحضان زوجاتهم آمنين سعداء.
هكذا، ترسم الرواية صورة مجتمع كامل، يعيش في رعب من الجنرال الذي يسيطر على كل مفاصل الحياة.
ويبث الذعر في النفوس إذ زرع “أبو العينين” في كل مكان، ليراقب كل حركة ونأمة، ويبقى هو القائد الذي يحرك البلاد كما تشاء أهواؤه، ويصبح حاضراً حتى في خيالات الشعب ولا وعيه.
من هنا تحديداً يأتي عنوان الرواية: “الغرانيق”، ففي التراث القديم هم أشباه الآلهة، الذين كانوا يُعبدون، وتوضع أصنامهم في كل مكان، والطغاة في عصرنا الحالي يظنون أنهم آلهة خالدون، يمتلكون الأرض ومن عليها، ويحاولون فرض تلك الرؤية على الشعب، الذي بقي مستلباً أمام كل هذا القمع إلى أن جاءت ثورات الربيع العربي فأعلن تمرده وقرر تحطيم هذه الأصنام.
تبدأ الانتفاضة في الرواية وتُقابل بقمع وحشي من قبل قوات الجنرال، تزداد حدة تخيّلات البطل الراوي وهلوساته، خاصة أنه يعيش عدة شخصيات في الوقت نفسه، فهو مصاب بفصام يجعله يتوهم نفسه مرة مثقفاً يقود هذه الانتفاضة، ومرة ثانية كمتطرف متشدد يحارب بالسلاح، ومرة ثالثة يظن نفسه الجنرال الذي يريد قمع الثورة ضده بأي شكل.
“ما إن أخطو في الغرفة الثانية وأعبر بابها حتى تحدث حولي حالة عجيبة من التحولات في المكان والزمان، تطال جسدي أيضاً. وكأنني أجتاز في ثوانٍ معدودة بوابة مشعة بأنوار باهرة تعمي الأبصار، يرافقها ضجيج وأزيز يصمّ الآذان، فأصبح أنا لا أنا، أنا آخر. ثم تختلط الأمور، فأجد نفسي شاباً في العشرينات يقطن غرفة طينية واسعة قديمة”.
تتداخل حكايات الشخصيات الثلاث هذه، وتتشابك الأزمنة والأمكنة، فلا نعود نعرف أي الشخصيات هو فعلاً، وأي الأحداث التي يحكيها هي الحقيقة. خاصةً أن “عرفة” لا يبني روايته بالشكل المعتاد، فلا حبكة هنا بمعناها التقليدي، بل مجموعة من الخيالات والهلوسات والكوابيس والأحلام والمونولوجات الداخلية التي تحدث داخل البطل أو الراوي والمختلطة بشكل وثيق بما يحدث من حقائق في الواقع المحيط به.

 

المصدر: موقع “رصيف 22”

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا