جحا وحماره (قصة قصيرة)

0

التعايش مع الأوهام موت مبكر، خلت البيوت من دفء الحب، ها هي العناكب تنسج خيوطها.
الحجرات تعاني برودة لا مثيل لها، يكره ساكنوها بعضهم بعضًا.
يجري حمار جحا مثيرًا الغبار، يهزأ بالمارين في الطرقات، وحده يتفوه بالحكمة. في مرة التهمت الفئران أبواب البيت؛ جاء جحا ممسكًا بعصاه يضرب حماره، عوض أن يمنع الفئران؛ أشعل النيران فيها، التهم الحريق ثياب النساء؛ صرن عرايا؛ كل واحدة تعاير أختها بخصرها ومياسة قدها، ازدادت النيران توهجًا، طالت الحب الذي اختزنه عم جحا في باطن الأرض.
وﻷنها زوجة الحكيم، تركب أتانا، تقيم” كدية زار” تستحضر الجن؛ فلها السر الباتع، اختلست كتاب الأوراد الصفراء المطمور منذ عهد النبي سليمان. تصفحته خفية، سرقت بعض شاراته.
في صفحته الأولى بعض التنبيهات؛ ألا يمسك أحد مفتاح الباب العتيق؛ عليه حارسان من خطا أمامها قتلاه، يحرم على المارين أن يطوفوا بالبيت إلا وهم يلهجون بحمد واهبهم النعم، في الصفحات الثلاث إرشادات لمن حام حول الدار غير آخذ متاع السيارة؛ في منتصف الكتاب ذي الأحاجي والألغاز نجمة شهباء ذات ثعبان بخطين أزرقين؛ تقول الأسطورة إن حمار جحا سيحمل إليها في خرجه حمل بعير من نهر ينبع من جبال الأحباش؛ يلعب الثعبان كل آونة بقرن الثعالب؛ يحرم من رابغ أو من بلاد الكرد؛ الجنية الزرقاء تسرق حبات القمح من دار عمنا جحا؛ تنبت وراءها نباتات السعدان؛ حتى إذا ما جاء مهدي آخر الزمان يركب الفيلة؛ تنهدم شرفة من البيت المحرق بنيران السحر الأسود.
تدق مسمارا في الجدار؛ تثبت ملكية تخاتل بها كل آونة،
حين تكون معركة بين النساء تظهر الخفايا، يبدو أن الجينات المعلبة في حاويات أتت مع علب الدقيق الأصفر من بلاد تقبع خلف بحر الظلمات، تسكنها الجرذان البيضاء، أتت كل واحدة بملء بطنها وعاء ماء آسن.
اقترب كتاب الأشرار كما أسماه جحا من نهايته؛ تطايرت في أيام الخماسين أوراقه كالعصف المأكول، لم تعد باقية غير حاشية على كلمة مقتبسة من سفر تذكرة داود” ملعون من هدم بنيان الله في الأرض”.
عم جحا أصيب بالهذيان،فالصغار طعام للسباع، لم تمنع توسلاته ولا صلواته؛ يبدو أنه لم يحسن الطهارة، تقول الأسطورة: مياه البحر المالح لا تزيل الجنابة، هذه أيام لم تعد تكفي الدعوات لإطعام الجوعى؛ كلما تغطت مؤخرة أظهر البرص سوءة وراء أخرى.
حتى إذا ما فار تنور امرأة جحا برغيف حجري، تمايلت نخلة؛ تساقطت رطبا جنيا، هذه حكاية لم تكتمل فصولها الأخيرة، قال الراوي: سرقت صاحبة العم جحا أوراده؛ لبست جلبابه، ألقمت النيران حكاياته، قدمت قربانا لتأكله النار؛ فما تكون لها أن تسرق حماره إلا أن تفعل هذا، تطايرت صفحات الكتاب الأسود؛ التقمته امرأة ذات خصر نحيل، يداعب الهواء غمازة وجهها؛ انقضى زمن النبوءات؛ فتلك البلاد تقتل أسودها؛ ومن ثم تعبث بها الفئران، مرت أيام وراءها أهوال في سبع عجاف.
تنبت شجرة عملاقة جوار مقام ولي الله؛ يأتيه حوت البحر رخاء؛ فالنهر لا يخقي خيراته، يطعم العم جحا شواء؛ يقوى ساعداه، يمسك بعصاه،تخرج شجيرة النبق حبات شهية، ماء النهر مبارك؛ جاءه الخضر بمنديل أبيض، كتاب ذي قدر؛ خنست امرأة العم جحا؛ قيل : إنها من واد تلعب به الحيات، صاح الديك معلنا قدوم فجر يوم آخر.

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا