“التراسل الإلكتروني” في التشكيل الروائي العربي

0
محمد عبدالرحيم الخطيب
كاتب وباحث مصري

تذكر معاجم المصطلحات الأدبية أن مصطلح “الرواية التراسلية” أو “الرسائلية” (The Epistolary Novel) يُقصد به “الرواية التي تُكتب في شكل مراسلات متبادلة، بين الشخصيات، أو تكتبها شخصية واحدة، وقد تقوم كل رسالة مقام فصل”(1). ويتميز هذا النوع من السرد بأنه “سرد مخصوص آنيّ يخاطب فيه المرسِل مرسَلًا إليه محددًا، وبينهما ميثاق قرائيّ رسائلي، ويخضع خضوعًا كاملًا لسلطة الأنا الكاتبة، وسلطة الزمن الآني لحظة الكتابة، وسلطة الظروف الزمكانية والنفسية والاجتماعية المحيطة بالكاتب”(2).

وتُكتب هذه الرسائل بأسلوب سردي كثيرًا ما يمتاح من معين النفس، حيث تتوفر المساحة للبوح والتعبير عن دخائل النفس بشكل أكبر، ولذا فإن بعض الباحثين ربطوا بين هذا الشكل الروائي ورواية التحليل النفسي. كما “يتسم الحوار في هذه الروايات وفي أشكاله التراسلية برقة المزاج وبالعمق والحميمية وبالحيوية والتأثير والتأثر، والابتعاد عن الأساليب الجافة، ويرمي الحوار في هذه الروايات إلى كشف الذات وإلى التأثير الدرامي، كما قد يتضمن بعض المواقف المتكلفة. وبما أن الشخصيات تصبح شخصيات كاتبة في معظم حالات تعبيرها، فإن الحوار لديها يتسم بالباطنية، فهو نوع من المونولوغ الدرامي(3)“.

وقد ازدهر هذا النوع الروائي في إنجلترا وفرنسا في القرن الثامن عشر، وكان ذلك نتيجة شيوع المراسلات في القرن السابق عليه، ففي “بدایة القرن السابع عشر، اتخذت الشریحة المثقفة من كتابة الرسائل وسیلة تعلیمیة. فاجتهدت في ممارسة كتابة الرسائل بهدف تنمیة الكتابة الأدبیة البلیغة، وكانت الدراسة في المدارس تشجع الطلبة على محاكاة الإغریق والأسلوب اللاتیني في كتابة الرسائل، حیث تم إصدار صحیفة خاصّة بهذا النوع من الكتابة؛ مثل صحیفة (Tatler) وصحيفة (Spectator) التي أخذت تستقبل العدید من الرسائل التي تُرسل لنشرها، حتّى إنّ بعض الكتّاب یتواصلون مع بعضهم عن طریق الرسائل التي ینشرونها في الصحیفتین. وقد انتشرت هذه الظاهرة الأدبیة حتّى أصبح القرن الثامن عشر یُطلق عليه عصر الرسائل بدل عصر العقلانیة”(4).

ولعلّ “الرواية التراسلية” نموذج بارز للارتباط الوثيق بين التطور العلمي والأجناس الأدبية، فحين كانت “الرسائل” في إنجلترا وفرنسا القرن الثامن عشر تحتل مكانة كبيرة؛ انعكس ذلك على فن الرواية فظهرت “الرواية التراسلية” بل وازدهرت. ثم حين ظهر الهاتف والتلغراف انحسر -مع الوقت- استخدام البريد التقليدي في المراسلات، فقلّ الاتكاء على هذه الآلية في التشكيل الروائي. وفي وقتنا الحالي حدث تطور تكنولوجي هائل، فظهرت الوسائط الإلكترونية المتعددة، ومنها البريد الإلكتروني بأنواعه المختلفة ومواقع التواصل الاجتماعي، فانعكس ذلك على جنس الرواية، فرأينا عددًا من الروايات التي استخدمت آلية التراسل الإلكتروني في تشكيلها الروائي.

ولقد بلغ هذا النوع الروائيّ (الرواية التراسلية) تطوره على يد الكاتبين الإنجليزيين “دانييل ديفو Daniel Defoe” و”صامويل ريتشاردسون Samuel Richardson” اللذين يعتبران المؤسسين لجنس الرواية الإنجليزية عامة، والرسائل الروائية خاصة.

ومن أشهر روايات الرسائل في الأدب الإنجليزي رواية “باميلا Pamela” (1740) ورواية “كلاريسا Clarissa” (1747) للكاتب صامويل ريتشاردسون. أما في فرنسا فظهر في عام 1712 عمل بعنوان “الرسائل الفارسية Persian Letters” للكاتب الفرنسي “تشارلز مونتيسكو Charles de Montesquieu”، ويُعد من أشهر الأعمال الأدبیة التي جسّدت المجتمع الفرنسي برؤیة أحد الغرباء عنه.

ومن الروايات العالمية الشهيرة التي اعتمدت على آلية المراسلات: “العلاقات الخطرة” (1782) للفرنسي بيير دي شودرلو لاكلو، و”آلام فرتر” (1787) لجوته، و”رسائل مغربية” (1789) للكاتب العسكري خوسيه كادالسو، و”المساكين” (1846) لديستوفسكي، و”حجر القمر” (1868) لويكلي كولينز، و”بيتا خيمنث” (1874) للإسباني خوان باليرا، و”أبي طويل الساقين” (1912) للأمريكية جين ويبستر، و”أزهار لألغيرنون” (1959) لدانيال كيز، و”اذهب حيثُ يقودك قلبك” (1994) لسوزانا تامارو، و”العظمة” (1995) للبريطاني كريستوفر بريست.

أما على الجانب العربي، ففي بداية القرن العشرين نجد أن “ماجدولين” للمنفلوطي تُعتبر أشهر عمل استخدم هذه الآلية في التشكيل السردي، كما نلمح وجودها في عددٍ من الأعمال الروائية ومنها: “بريد بيروت” (1992) لحنان الشيخ، و”ألزهايمر” (2010) لغازي القصيبي، و”366″ (2013) لأمير تاج السر، و”المنفيون ينتصرون” (2014) عبدالكريم غلاب، و”الأجساد وظلالها” (2017) لهيثم بهنام بردى.. إلخ.

تجلي التراسل الإلكتروني في الرواية العربية:

مع بداية الألفية الثالثة أدرك الروائي حاجة الرواية إلى تخليق أشكال سردية مستمدة من “مجتمع الإنترنت” الذي أضحى واقعًا نحياه.

والحقّ أن وسائط التواصل الإلكتروني تُعتبر “إضافة جديدة في نوعية العلاقات البشرية العصرية، ومن ثم فهو يخلق سياقًا تفاعليًّا مفتوحًا يُتيح التلاقي والتواصل، كما يُتيح تنوع التساؤلات والهموم والقضايا بين مستويات مختلفة أو أنساق متباينة من النوازع والدوافع ومستويات تلقي العالم والتفكير فيه؛ لذا فهو يقدم عالمًا أكثر اتساعًا وتنوعًا، كما يُتيح له هذا الوجود الاتصالي تشكيلًا أوسع عمّا نعهده في الأعمال الروائية المحدودة بالزمان والمكان، وحيزهما المحدود وإن اتسع(5)“.

ومنذ بداية الألفية الثالثة وإلى وقتنا الحالي شهدت المكتبة العربية صدور عددٍ من الروايات الرقمية، ومنها: “بنات الرياض” (2005) لرجاء الصانع، و”أبناء الديمقراطية” (2006) لياسر شعبان، و”لعنة ماركيز” (2007) لضياء جبيلي، و”حرية دوت كوم” (2008) لأشرف نصر، و”في كل أسبوع يوم جمعة” (2009) لإبراهيم عبدالمجيد، و”حبيبي أون لاين” (2009) لأحمد كفافي، و”فتاة الحلوى” (2010) لمحمد توفيق، و”إيموز” (2010) لإسلام مصباح، و”المصائر” (2011) لياسر شعبان، و”أوجاع ابن آوى” (2011) لأحمد مجدي همام، و”إيميلات تالي الليل” (2011) لإبراهيم جاد وكلشان البياتي، و”زهراليزا” و”على بعد ميلمتر واحد” و”المتشرد” لعبدالواحد استيتو.

وقد استخدم بعضُ هذه الروايات آليةَ التراسل الإلكتروني في التشكيل الروائي، وهو -كما قلنا- نوع من انعكاس الواقع على الأدب، لا سيما وقد غدا التواصل الإلكتروني بوسائطه المختلفة أمرًا نحياه بشكل يومي.

ومن بين الروايات التي استخدمت هذه الآلية في تشكيلها الروائي:

[1] “بنات الرياض” لرجاء الصانع:

“الرواية تحاكي لغة العصر، الإنترنت. تبدأ بتاريخ أول إيميل في 13/2/2004 لتنتهي بآخر إيميل في 11/2/2005، توقفت فقط خلال شهر رمضان، وعاودت الإرسال بعد انقضاء الشهر الفضيل. خمسون إيميلًا وعلى مدار سنة هو زمن الرواية، أما زمن الحكايات فيعود لست سنوات سابقة. إيميلات ترسلها فتاة مجهولة كل يوم جمعة إلى معظم مستخدمي الإنترنت في السعودية. تقص فيها حكايات صديقاتها الأربع (قمرة، ميشيل، سديم، لميس). هذه الإيميلات خلقت ثورة داخل مجتمع كمجتمع السعودية، بحيث يتحول نهار السبت إلى ساحات ودوائر للمناقشة في الجامعات والمدارس والمؤسسات الحكومية، وكتبت عنها الصحف، وتحولت إلى قضية ناقشتها البرامج التلفزيونية، والكل يفسر الإيميل حسب هواه، والكل يدلي بدلوه، بين مؤيد ومعارض(6)“.

[2] “في كل أسبوع يوم جمعة” لإبراهيم عبدالمجيد:

في هذا العمل يهيئ إبراهيم عبدالمجيد لنصّه تراجيديا محكمة من خلال (سرد الشات) الذي يعرض لنا حكايات ثمانية عشر شخصًا على رأسهم “عماد” و”روضة” اللذان يُعتبران محور النص. فقد دعت “روضة” لتشكيل “جروب” من أجل التعارف والبوح، و”نكتشف مع الصفحات أنها من خلال هذا الجروب تقتنص الرجال لتشبع رغبتها في الجنس، ورغبة “عماد” زوجها المنغولي في الاستمتاع بالقتل في كل يوم جمعة من الأسبوع(7)“.

ومن خلال تقنية “سرد الشات” نلمح عددًا من التحولات التي طرأت على المجتمع من خلال ثماني عشرة شخصية، فلقد “كان الإنترنت هنا ميدانًا للتلاقي الافتراضي، ثم الالتقاء الحي المباشر، سواء بإقامة علاقات محرمة تُفضي إلى القتل، أو تستمر بعيدًا عن المجموعة، أو تخرج من الموقع، وتغرق في هموم الحياة. ولكن بلا شك، فإن الشخصيات تعبر عن أزمة مجتمعية وسياسية وفكرية ونفسية (فردية وجماعية). مجتمع متخبط ضائع، وإذا عنّ سؤال عن كمّ السوء الذي لمسناه في الرواية، فإن الجواب أنه منطقي، فـ”الجروب” الافتراضي شارع خلفي للكشف، ومن الطبيعي أن تبدو الشخصيات في عنفوانها وقسوتها وتبحث عن متعها وشهواتها المكبوتة بعيدًا عن رقابة المجتمع الخارجي، وقيود الذات نفسها عندما تكون وسط القريبين منها(8)“.

[3] “حبيبي أون لاين” لأحمد كفافي:

تدور الرواية حول “هادي” و”هادية” اللذين يتملكهما الإحباط والتخبط والحيرة، إلى درجة النظر إلى المستقبل بكثير من الشك والخوف والارتياب. يلتقي الاثنان مصادفة على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، فيبدأ التعارف بينهما خافتًا ثم يكبر، غير أن “هادية” لم ترغب في أن تلتقي “هادي”، معتقدة أن العالم الخارجي كله سوداوية، ولذا فضلت أن تستمر العلاقة إلكترونية، وهو ما كان، لذا بقيت نهاية الرواية مفتوحة.

[4] “سيرين الإسرائيلية” لحسين أبو السباع:

مجمل أحداث الرواية تدور حول الصحفي المصري “حسن” الذي يقع في غرام امرأة تُدعى “سيرين” من فلسطينيي الداخل، تعرَّف عليها عن طريق موقع “فيسبوك”، وتعمل هذه المرأة على نصب شراكها حول “حسن” إلى أن تستحوذ تمامًا على قلبه، ويتماديان في تواصلهما الإلكتروني إلى أن يجمعهما “فِراش” واحد في عمّان لأيام عدة، تطلب خلالها منه مساعدتها في ولوج الوسط الفني المصري باعتبارها “ممثلة فلسطينية”.

ويُقدم العمل شخصية “حسن” -بطل العمل- باعتباره نموذجًا للشاب الذي يتنازل شيئًا فشيئًا عن مبادئه -من دون أن يشعر– في سبيل علاقة فجائية لا يُبررها منطق، ولا تدعمها عاطفة راسخة، وإنَّما هي نزوة جنسية يُلبسها صاحبها ثوب العلاقة العاطفية.

وكما بدأت العلاقة بين “حسن” و”سيرين” بداية إشكالية، فكذلك انتهت العلاقة بينهما، حيث تنتهي الرواية نهاية مفتوحة من خلال الإشارة إلى ذهاب الكاتب المصري “حسن” إلى إسرائيل، للبحث عن ابنته التي أخفت عنه “سيرين” خبرها، وهي ثمرة التطبيع الحرام، وهو ما يومئ إلى أنَّ الرباط الذي يربط العالم العربي بهذه الفئة الفلسطينية المنسية باقٍ لا يقطعه احتلال أو نسيان.

[5] “جدائل صعدة” لمروان الغفوري:

يستخدم الكاتب في هذه الرواية شكل الرسائل الإلكترونية المتبادلة بينه وبين بطلة روايته، لذا فالرواية عبارة عن رسائل تقصّ فيها “إيمان” حكايتها لشخصية المؤلف الحقيقية، ورسائل يردّ فيها هو على تساؤلاتها، يحفزها على الاستمرار في الكتابة، يذكّرها بأحداث روتها له قبل ذلك، وينقل لها ما تثيره رسائلها في داخله من مشاعر وذكريات.

وفي رسائلها تصوّر “إيمان” مجتمع البلدة المنغلق، الذي يكبّل المرأة بقيود من العادات والتقاليد الظالمة، وكيف أنه يمارس سطوته في حرمان الفتيات من التعلّم. كما تُشير إلى حروب صعدة الست الشهيرة، تلك الحروب التي قامت بين الحكومة والحوثيين بين 2004 و2010، لكنها لا تذكر تفاصيل الصراع السياسي وأسبابه، بل تنقل معاناة سكان البلدة، وتأثرهم بالحرب التي لا يعرفون فيها من المنتصر ومن المهزوم.

تمتد الرسائل فترة زمنية صغيرة نسبيًّا هي شهر ونصف الشهر من مطلع عام 2014، ولكنها تلخص سنوات طويلة من حياة الشخصيات التي تحكي عنها “إيمان”، والتي أولاها الكاتب الاهتمام الأكبر، إذ نراه يمر على الأحداث السياسية في اليمن مرورًا سريعًا، كانطلاق الثورة 2011، وكأنه يريد القول إن الأهم والأسمى هو الإنسان، لا الثورات ولا الحروب(9).

————–

(1) د. سعيد علوش، معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، دار الكتاب اللبناني، الطبعة الأولى، بيروت، 1985، 103.

(2) انظر تقديم الدكتور خليل شكري هياس لرواية “الأجساد وظلالها”، دار أمل الجديدة، دمشق، 2017، 8.

(3) د. منصور قيسومة، اتجاهات الرواية العربية في النصف الثاني من القرن العشرين، الدار التونسية للكتاب، الطبعة الأولى، تونس، 2013، 64، بتصرف يسير.

(4) د. ثریا عبدالوهاب العباسي، تمظهر الرسائل في المنجز الروائي الإنجلیزي والفرنسي في القرن الثامن عشر (دراسة مقارنة)، مجلة العلوم الإنسانية، العدد (40)، ديسمبر 2013، 9.

(5) د. أماني فؤاد، الرواية وتحرير المجتمع، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، 2014، 151.

(6) كُليزار أنور، “بنات الرياض: مرآة مجتمع في زمن العولمة”، مجلة عود الند الإلكترونية، العدد (64)، ورابطه:

https://www.oudnad.net/spip.php?article84&lang=ar

(7) د. أماني فؤاد، الرواية وتحرير المجتمع: 151.

(8) د. مصطفى عطية جمعة، الرواية العربية والفضاء الإلكتروني، بحث ضمن مؤتمر “الرواية العربية في الألفية الثالثة”، الجزائر: 12-22 أغسطس 2016، 25.

(8) راجع مقال: مراجعة لرواية “جدائل صعدة” لفايز علام، موقع “رصيف 22”.

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا