قراءة في رواية “أشياء عادية في الميدان” للسيد نجم

0

.. “كم هي الأساطير جميلة وإن كذبت.. أو لأنها كاذبة تبدو جميلة”: “سرى” فى رواية أشياء عادية فى الميدان
ما حدث فى ميدان التحرير، منذ اندلاع ثورة 25 يناير2011، هو موضوع رواية أو حكاية من حكايات الحياة الناطقة بالتمرد، والحاملة لأي طبيعة من طبائع البشر الثائرة، وكل بطل فيها يحمل داخله عالمه الخاص به، يعيشه، ويعايشه، ويجتر همومه وأزماته وأفراحه بكل ما تحمله من أوجاع وآلام وحب وحميمية.
هو “سرى” شخصية بارزة فى الرواية.. ففي بيته شخص عادى يمارس حياته الطبيعية، بما تحمل من ممارسات مألوفة وغير مألوفة، ولكنه فى الميدان كما حدث فى بدايات الثورة فى ميدان التحرير، هو شخص أخر يعيش الحكاية الكبيرة للوطن.
.. ورواية “أشياء عادية فى الميدان”* للكاتب الروائي السيد نجم تعد واحدة من روايات الرفض والمراهنة على التاريخ، وتناغم الثورة مع واقع الحياة، وهى واحدة من نماذج كثيرة من الروايات وقصص الثورة التي لم تتحقق على الورق إلا من خلال هذه الحالة وهذا النص، وعلى الرغم من أدب الثورة لا يكتب إلا بعد مرور أزمنة تكون فيها الوقائع والأحداث قد تبلورت وظهرت بمظهر الحقيقة الناصعة التي لا تقبل مراء، فتكون مادتها الإبداعية صالحة للتحرير والتشكيل، والإبداع، إلا أن حكايات الثورة والثوار والميدان وما حدث فيه من وقائع، كتبها مبدعون أخفق بعضهم، وأفلح البعض فى رفد صيغة ونسق إبداعي له حضوره على مستوى النص والموضوع وزاوية الرؤية.
والرواية هنا نموذج سردي حكائى من هذه الأعمال الإبداعية التي نجح الكاتب بخبرته الإبداعية، وسابقة اهتمامه بأدب المقاومة فى الكتابات النقدية والإبداعية، وكونه شارك فى حرب أكتوبر، كان لها أثرها فى تحرير نص سردي حقق من خلاله رؤية خاصة.
الشخصيات:
.. “سرى عبد العليم” شخصية نمطية، يعمل فى إحدى المصالح الحكومية، التي تمثل شريحة من شرائح المجتمع، والمصلحة نموذج مصغّر لأحوال البلد. تحاول هذه الشخصية بتطلعاتها، أن تحقق لنفسها وظيفية عالية، فتلجأ إلى المكيافيللية، وأن الغاية تبرر الوسيلة، ولأنه أحد من شاركوا فى حرب أكتوبر، ولأن هواجسه الذاتية كثيرا ما تصّور له أوهام التطلع إلى أن يكون شخصا مهما. ولأنه كان كثيرا ما يدس أوراق بيضاء داخل بريد المديرين ليحصل على توقيعات يستخدمها بعد ذلك فى أمور شخصية. من هنا وبحسب “بروب” فإن الشخصية فى العمل الروائي لم تعد تحدد بصفاتها وخصائصها الذاتية بل بالأعمال التي تقوم.
.. وقد نجح الكاتب فى رسم هذه الشخصية رسما دقيقا، مع بداية الفصل الأخير الذي يمثل الاستهلال الأول للرواية، حينما وجد “سرى” نفسه فجأة يحقق انجازا فى حياته الآنية مع زوجته البدينة عندما شفى من العنة، بعد عودته من ميدان التحرير فى أيام الثورة.
وقضى ليلة لم يألف مثلها، وهي البداية التي واجه فيها “سرى” نفسه فى مرآة الحمام. حيث كانت حالته النفسية فى أيامه الماضية تسير من سئ إلى أسوأ، وجرّب كثيرا من الأشياء الصغيرة القادرة على صنع المعجزات، كان يشرب مخلوط “حبة البركة أو الحبة السوداء” مع “الزعفران” و”مغلي أوراق شجرة الجوافة” مع التهام قطعة وافرة من الحلاوة الطحينية وسبع تمرات، حسبما دله عليها جده الذي كان عطارا. كما استبدل أثاث شقته فى أكثر من موضع.
.. تتداعى خواطر “سرى” منذ أن كان فى الميدان، وكانت البداية فى الميدان غير مطمأنة، استخدم لها الكاتب البعد النفسي، ووظف الحالة النفسية للشخصية فى مواجهة هذا الظرف الاستثنائي الذي يمر به فى حياته لأول مرة، حينما واجه هذه الطفرة العارمة من ثورة الشباب، تذكر على أثرها تجربة الثورة أعوام 68، و77، وفترة تجنيده فى حرب أكتوبر.
.. وبدأت علاقته بالميدان حينما رأى مشهد الجرادة اليتيمة فى مخبأها السري، بجوار ماسورة المياه الملاصقة للجدران الخلفية لمسجد عمر مكرم، كانت ملاحظاته وتأمله الطويل أمام هذا المشهد الفرعي فى الميدان، والذي شد انتباهه بعيدا عن ضجيج المتظاهرين وصراخهم وصخبهم وهو يشاهد هذا النوع الغريب من الفطر الأخضر والأسود والأبيض الكاسي لماسورة صدئة قابعة بين العشب الغامض والأرض الندية، كانت الجرادة وحدها، تابعها “سرى” تتجدد وهى تنسلخ وتلقى بقبضتها القديمة بعيدا!
لقد كان اختيار سرى لمشهد الجرادة والتماهى معها فى ثقب ماسورة المياه، ومشاهد الصخب والعنف الحادثة أمامه فى الميدان، هو الذي فجّر لديه تلك الطاقة المخزونة والمختبئة فى ذاته.
.. غير أن تداعى خواطره تستمر فكانت صورة الجميلة “زينة” ابنة “محروس” حارس المنزل، وتمردها على أبيها من أجل حبيبها التي تقابله خلسة فوق سطح العمارة. وكانت أحيانا تأخذه إلى مناطق بعيدة، فكانت نفسه تحدثه بأن السادات قد خانه عندما وقع اتفاقية كامب ديفيد.
بنية النص:
تتسم بنية الرواية بالدائرية فى أحداثها، ويتميز هذا النوع من التدوير بأنه يحيل الماضي إلى حاضر، ويستبين الحاضر فى زاوية للرؤية تتسارع وتيرة الأحداث فيها.
تنقسم الرواية إلى عشرة فصول بدأها الكاتب بالفصل الأخير العاشر، ثم تدور الأحداث فى حركة دائرية لتصل إلى نفس الخط التي بدأت منه فى أحداثها الأولية فى مشاهد الميدان والثورة والثوار، وتبدو التجربة من بدايتها وكأنها خارجة من رحم تحرير الإنسان من ربقة القهر والعنت فى خطوطها العريضة إلى منطقة العثور على الذات فى رمزية عودة الروح. وقد استخدم الكاتب فى مخيلة خاصة روح هذه المرحلة فى تجسيد شخصيات بعينها وأحداث مرت عليه، حدد من خلالها روح النص وبنيته الأساسية حيث إن:
“الروائي يبنى شخصياته، شاء أم أبى، علم ذلك أو جهله، انطلاقا من عناصر مأخوذة من حياته الخاصة، وأن أبطاله ما هم إلا أقنعة يروى من ورائها قصته ويحلم من خلالها… ووعى واقع كهذا يسبب انتقالا فى الرواية من ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم”
النص والأسطورة:
كما أن هناك ثمة بعد أسطوري استدعاه الكاتب من الميثولوجيا اليونانية القديمة، من خلال اللافتة المعلقة على “مقهى أمفتريون” الذي يحلو لـ “سرى” أن يتناول قهوته فيه.
يستحضر شخصية وأسطورة “أمفتريون” فى سياق الأحداث بطريقة تبدو عفوية “أمفتريون”: “الذي تجرأ أن يطلب يد الأميرة، فرفض الآلة زيوس وأختصها لنفسه، حين عاد العاشق منتصرا، وجد المسكين أن حبيبته، مارست الزنا عنوة بقوة زيوس.. أو استسلاما برضاها ورغبتها، ما عاد يهم.. أنجبت طفلين، هرقل أبن الزنا، والآخر أبن نطفته.. نصيب هرقل من الخطيئة، أن يعيش على ذمة طبول الحرب، عله يبرر وجوده بين الجميع.. وعاش مع بكرة شبابه، يدفع ثمن خطيئة لم يرتكبها”.
وبدا له المشهد الخارجي من المقهى يتفاعل مع هواجسه الذاتية، خاصة ما حدث أمامه من عاملي المقهى العم صالح الجرسون العجوز، ومهدي العامل الكافتيرى بالمقهى الذي دله على ميدان التحرير وما يحدث فيه الآن، كانا نموذجين من النماذج المتفاعلة، كل بطريقته، كما أن لكل منهما رؤيته الخاصة، إلا أنهما يشتركان فى شيئين، الأول أنهما زملاء العمل ولا يوجد غيرهما يمارس العمل فى خدمة الزبائن والرواد، وأنهما الواجهة الحقيقية للمقهى، ثانيهما أنهما يقتسمان بعض ما تقع أيديهما عليه من أرباح المقهى بطريقة غير شرعية، وكأن يد الأميرة فى الأسطورة قد ذهبت بالفعل إلى من لا يستحقها فكانت وبالا على الجميع، وقد ظهر هذا من حديثهما حين كشف كل منهما عن الآخر بطريقة استفزازية:
“ما أنا كمان عارف وساكت.. توفّر فى السكر، وآخر الليل تخبئ الكيس بين رجليك، وتبيعه للبقال جاركم.. ومنه تشترى أكياس البن المحوّج، وأكياس الشاي، وتبيعها طلبات لحسابك.. وعلى يدي مكسرات السحلب الأصلية تسرقها، وتستبدلها بالفول السوداني المحمَص..
بهدوء غريب وثقة لم أتوقعها عقّب “مهدي” وقال:
تنكر يا عم صالح.. تنكر أنك مشاركنى، النص بالنص ياعم صالح.. فيفتى فيفتى”. كانت هذه هي “مقهى أمفتريون” بأسطورتها التاريخية وأسطورتها الواقعية، وكانت مصر وكأنها تعانى من نفس الإشكالية.
أما وقد صادف “سرى” فى الميدان هذا “المهدي” أو الهرقل كما شبه هو نفسه، وتداخلت الأعمال الأسطورية بين ممارسات مهدى فى الميدان وما كان يفعله هرقل فى الميثولوجيا القديمة لليونان.
النص والمكان والزمان:
ومن ناحية المكان تعتمد الرواية المكان كعنصر رئيسي فى تحديد ملامح زاوية الرؤية والعلاقات الشخصية المتداولة فى بؤرة النص ونسيجه العام. والمكان بحسب باشلار يأخذ منحى جمالي. لذا كان المكان فى الرواية منذ العتبة الأولى وهى العنوان يقف موقف المفارقة الحسية الدالة على طبيعة زاوية الرؤية التي أرادها الكاتب.
وأن يبرز ليس طبيعة مكان له حدوده الجغرافية المعروفة، وكرمز لروح المقاومة وعملية الإبهار، التي استمد منها العالم ما حدث فى هذه الحدود المكانية والرمزية على السواء، هو يسميها “أشياء عادية فى الميدان” لكنها بطبيعة الحال هي ليست أشياء عادية بالمرة!
فما حدث فى الميدان يعود من خلاله الراوي “سرى عبد العليم” ما كان يحدث معه وهو فى عنفوان شبابه فى ميدان القتال أثناء حرب أكتوبر1973، هو الآن رجل تجاوز الخمسين، وكل ما حوله من الشباب، لكنه يشعر أنه بحاجة إلى العودة إلى الشباب مرة أخرى ليشاركهم. لذا نجده يجلس بجوار جامع عمر مكرم بغية المبيت بالجامع، يرقب هذه الجرادة اللعينة ويتأمل حركاتها وسكناتها، ثم يدخل خيم الإسعاف فى محاولة لمساعدة المصابين، وأثناء تنقله فى الميدان يلوذ بشقة المرأة العجوز المطلة على الميدان هربا من القنابل المسيلة للدموع، وحين يهده التعب يجلس فى محيط أم أنور بائعة الشاي ليتناول من يدها بعض القهوة، كل هذا الزخم فى علاقاته بالميدان ومن فيه ليس عاديا.
كذلك تحتوى عتبة العنوان أيضا، فى هاجس الشخصية “الجنس” فهذا الميدان كان مغلق تماما بالنسبة له، لا يعرفه أحد سوى اثنان فقط هو وزوجته، وكانت حياته الجنسية والنفسية فى مأزق كبير منذ فترة طويلة..
كان المكان فى عنفوانه وجبروته يضيق ويتسع حسب هتافات الجماهير الثائرة، بدت سطوته تتبدى على الجميع:
“بدا الميدان منحوتا بخريطة مصر، شمالها بسعة الخط الواصل من وزارة الخارجية، وجامع “عمر مكرم”، حتى مبنى الجامعة الأمريكية.. ويضيق خط الجنوب قليلا بسعة ميدان عبد المنعم رياض.. يشقها شلال من الناس عوضا عن نهر النيل”.
.. وكان زمن الرواية هو زمن الثورة أو زمن الميدان، الزمن المتشظى عند كل هذه الشخصيات الثائرة القلقة التي حاول الكاتب أن يبرز تأثير الزمن والمكان فى أحوالها وواقعها الذاتي، وهو بحسب ما قاله هانز ميرهوف نقلا عن توماس مان : “الزمن هو وسيط الرواية كما هو وسيط الحياة”.
وفى نهاية النص يلوذ سرى بزوجته “رسمية” بعد أن ابتعد عنها فترة، خبر من خلالها خريطة مصر كلها. ويعود النص مرة أخرى إلى بداياته الأولى فى حركته الدائرية.
“.. فعانقته بشدة بكفيها وجلبابها المتسخ، وبرائحتها الزفرة وبهيئتها الغجرية، عانقها سرى كأنه شاب فى العشرين فتوة وفحولة، كأنه فى الثلاثين رغبة وشوقا، كأنه فى الأربعين، حنكة وخبرة، كأنه فى الخمسين روية واستمتاعا، وكأنه فى عمر يومه هذا، فتوة ورغبة وحنكة وروية خبرته الأيام بأسرار الجسد كلها، وكأن رسمية كل نساء العالم”.
من هنا نجد أن هذا النص الحامل لمحور الصخب والعنف، ومقاربة النص من زوايا مغايرة تتعلق بدواخل النفس، وتكشف النقاب عن شعرية العنف والضوء النفسي الذي يفعله العنف داخل النفس البشرية، فهو ربما يكون كاشف للداء كما حدث مع سرى فى ميدان التحرير، وربما يكون هو الدواء كما حدث بعد عودته إلى منزله ومضاجعة زوجته، ولعل فعل الكتابة وفعل الصخب واستدعاء الأسطورة فى بعض جوانب النص يعطينا دلالة على نجاح الكاتب فى الاتكاء على تيمة نفسية وهى تيمة تكاد تكون متكررة فى معظم رواياته منذ عمله الأول “أيام يوسف المنسي” وحتى هذا النص. وقد نجح الكاتب فى إعادة صياغة العنف فى الميدان من خلال ثورة الخامس والعشرين من يناير التى كانت هي الداء والدواء فى هذا العصر.

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا